هل تنجح السعودية في إيقاف حرب أوكرانيا؟

0

جاء في تقرير لـ”اندبندنت عربية” أن السعودية “ستستضيف في أغسطس (آب) الجاري محادثات للسلام تجمع أطرافاً متعددة لوقف الحرب في أوكرانيا”. هذا أول خبر دبلوماسي جيد عن مبادرات عملية لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وبات يوضح الموقع الجديد للسعودية كمرجعية دبلوماسية دولية.

المصادر تقول إن هذه المحادثات ستتخذ شكل طاولة مستديرة سياسياً، أي إن الرعاية ستكون واسعة وتشارك فيها أطراف دولية متعددة، إلا أن الرياض ستلعب دور الميسر في جدة، بين قوى عظمى ومتحاربين، في أدق ملف حربي في زمننا الحالي.

السعودية ستستضيف قمة مهمة، وهي قمة الجلوس مع كبار العالم وإدارة مسيرة السلام الدولي من الوسط. وهذا أمر بدا غير منتظر لبعض الأوساط العامة والإعلامية والسياسية، بخاصة بعد بضع سنوات من محاولات لقوى ضغط في أميركا لإضعاف القيادة السعودية الإصلاحية. والنتيجة كانت معكوسة، فوصلت هذه القيادة إلى الطرف النقيض، أي إلى موقع قوة معنوية ستلجأ إليها أميركا والقوى الكبرى. ولكن، ألم يرَ البعض قدوم تطور كهذا؟ نعم بالطبع، فالقلائل الذين تابعوا تطور السياسة السعودية الجديدة منذ أكثر من نصف عقد أدركوا أن التموقعات الجديدة للدبلوماسية الجديدة المبنية على تحويل الطاقة الطبيعية ليس فقط إلى سيولة، بل إلى صيد معنوي وإنمائي وضع السعودية في بعد مختلف. تطور كهذا على صعيد إطلاق مبادرة سلام تجاه حرب أوكرانيا كان منتظراً، وكنت من بين الذين انتظروه. فكنت قد طرحت مبادرة من هذا النوع في شهر مايو (أيار) الماضي، وجاء في مقالي بـ”اندبندنت عربية” حول مبادرة إنهاء الحرب ما يلي:

“لذا، فأحد الطروحات الأكثر حظاً في النجاح هو إطلاق إطار تفاوضي تتشارك فيه دول ذات نشاط دبلوماسي دولي وعلى علاقة مع الطرفين بشكل مُوازٍ، لإيجاد معادلة دبلوماسية مقبولة من الجميع، وبعد التوصل إلى نتائج جيدة يتم نقل الإطار إلى مجلس الأمن (…) وقد تضم المبادرة دولاً كالسعودية كممثلة عن العالم الإسلامي. هل تنجح مبادرة متوازنة كهذه؟ لا أحد بإمكانه أن يجزم، ولكن السؤال يبقى: ما لم تطلق مبادرات كهذه… هل يعود السلام؟”.

كان واضحاً لديَّ أن مهندسي السياسة الخارجية لدى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لن يفلتوا فرصة تاريخية كهذه من بين يدي السعودية. وخرجت المبادرة بالفعل إلى العالم، ولكن الأسئلة ستتكاثف فوراً: هل ستلتحق الأطراف المعنية بالمبادرة؟ هل ستنجح المحادثات؟ أي دور ستلعبه السعودية؟ هل هناك طرف بإمكانه ينازعها على هذا الدور؟ ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟ أسئلة ستحتاج إلى أشهر للحصول على أجوبة، لكن هذه بعض استشرافاتها.

كما كتبنا في العامين الماضيين سارعت القيادة السعودية إلى فهم التطورات الهادرة في السياسة الخارجية الأميركية منذ انتهاء ولاية دونالد ترمب، ولا سيما بعد قرار إزالة الحوثيين من لائحة الإرهاب في شتاء عام 2021، وكان ذلك بداية الغيث. بعد بضعة أشهر شاهدت الرياض، ومعها العالم، تسليم أفغانستان لحركة “طالبان” بشكل ينم على نهج التخلي عن الحلفاء عبر صفقات غير مدروسة. وبعدها تسارعت خطوات العودة إلى الاتفاق النووي، رافقتها ضغوط على التحالف العربي للتخلي عن الحكومة اليمنية في حملتها لاسترجاع اليمن الشمالي من الحوثي. فبات واضحاً أن واشنطن تحت إدارة بايدن – أوباما تخلت عن مقررات قمة الرياض، ولا سيما أن جو بايدن كان قد استعمل عبارة “دولة منبوذة” في مرحلة ما لوصف السعودية. والاستخلاص كان سريعاً، فلوبي الاتفاق النووي في عهد بايدن حرّف السياسة الخارجية الأميركية لتبتعد عن عرب الاعتدال وتصر على صفقة مع طهران. وشعرت المنطقة بذلك، وبدأت الرياض تهيئها للتعاطي الجديد مع المجتمع الدولي على ضوء التطورات.

وانفجرت حرب أوكرانيا، وصعق العالم، وشُل مجلس الأمن، وانقسم أعضاؤه الدائمون، وتبدلت المعادلات الاقتصادية والمالية، وتفجرت أزمة طاقة في أوروبا، واختلط الحابل بالنابل. فهبت واشنطن لتجميع حلفائها وسافر بايدن إلى جدة ليلتقي القيادة السعودية والخليجية والعربية ويطلب منها مد الغرب بالنفط والغاز، ولكنه وجد سعودية حازمة وتحالفاً عربياً قد تغير. المعادلات تبدلت عالمياً، إذ خرج “محور آسيا” وامتداداته في أفريقيا وأميركا اللاتينية يقارع الغرب، ولكن محوراً آخر يبدو أن السعودية باتت تقوده معنوياً، وهو “كتلة الوسط” المتموقعة داخل معادلة “علاقات مع الجميع”. وظن أركان اللوبي الإيراني أن العرب الجدد لن يخطو خطوات جدية نحو الاستقلالية الدبلوماسية، ولكن سرعان ما نفذت الرياض استراتيجية الانفتاح على الجميع انطلاقاً من مصلحتها الوطنية ومصلحة التحالف العربي، فاستمرت بعلاقاتها مع روسيا بشكل طبيعي، وعززت روابطها الاقتصادية مع الصين ونوعت خططها للتنمية الداخلية. وعلى رغم الطلبات الأميركية المتتالية، لم تلتزم السعودية وحليفاتها بخط مواجهة مع روسيا، ولكن فتحت قيادتها باب التوسط بين طرفي النزاع، مما دفع بكل الأطراف المعنية إلى التأقلم مع الواقع الجديد. التحالف العربي بات في الوسط، والقوى العظمى في حاجة إليه للمساعدة على إنهاء حرب خطرة.

وسيط موثوق

وعندما انخرطت السعودية في مبادرة التطبيع مع إيران، تحت مظلة الصين، وقبلت طهران فوراً، ظهرت صورة جديد في المنطقة، وهي قدرة السعودية، ومن دون أن تتراجع عن حماية أمنها القومي والأمن الإقليمي والسلام الإبراهيمي، بأن تتحول إلى وسيط موثوق بين روسيا و”الناتو” في محاولة لإيقاف الحرب في أوكرانيا، ومنع امتدادها إلى ساحات أخرى في أوروبا أو الشرق الأوسط. فالقيادة السعودية بنت علاقات متوازنة مع موسكو وكييف، وانتزعت فتيل التفجير مع إيران، حتى الآن. وبشكل مُتوازٍ بنت علاقات اقتصادية أقوى مع الولايات المتحدة عبر عقود كبيرة صفقت لها الشركات الكبرى والبنتاغون، ولجمت من خلالها هجمات اللوبي الإيراني على دورها، فبات أصدقاء السعودية من الاقتصاديين يشجعون الإدارة على الاتكال على السعودية للمساعدة في إيجاد حل للصراع في أوكرانيا، وربما في بقع أخرى.

هل ستنجح المفاوضات؟

لا أحد بإمكانه التكهن بما يتعلق بإنهاء الحرب الأوكرانية، فالمصالح المعقدة والمتداخلة والتدمير الحاصل وضغوط الحلفاء وأجندات المستفيدين من الحرب والأحلام الأيديولوجية والصناعات العسكرية عند كل الأطراف والعواطف الجرارة، كلها تؤثر في أي تفاوض سلمي. ربما قد تكون هذه المحادثات الأصعب في القرن الـ21 لأن هدفها هو حماية الكوكب من حرب عالمية كارثية. وهنا التحدي الأكبر أمام القيادة السعودية، لأنها قد اجتازت حاجز الثقة الدولي مع روسيا والصين وأوكرانيا والاتحاد الأوروبي، والأهم أنها فرضت الاعتراف الإيجابي بدورها الدولي على شريكتها الولايات المتحدة التي انتقلت إدارتها من مرحلة انتقادها إلى مرحلة البحث عن جسر جديد مبني على اتفاقية تعاون استراتيجي كبير. فباتت السعودية تقريباً محاطة باتفاقيات تعاون مع أطراف متخاصمة بين بعضها، مما أعطى الرياض موقع الحكم في هذا النزاع الدموي الكبير.

التحدي أمام السعوديين عميق، وفيه مسؤولية تاريخية، ولكن إطاراً كهذا لا يعمل بتوجيه وأجندة دولة واحدة، بل بتعاون كل الدول. القيادة السعودية جهدت لتوفير الإطار المطلوب، وهو مفقود في أي مكان آخر، ولكنها كغيرها ستؤدي قسطها للعلا. أما الباقي فسيحدده التاريخ.

* نقلا عن “اندبندنت عربية

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً