ممنوع انتخاب «السافرات»

0

حين تم إقرار حقوق المرأة السياسية في 16 /‏‏ 05 /‏‏ 2005، لم يتضمّن القرار أي إشارة للقواعد والأحكام المعتمَدة في الشريعة الإسلامية، وإنما اقتصر على اعتماد هذا النص: «لكل كويتي بالغ من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية كاملة حق الانتخاب، ويُستثنى من ذلك المتجنس الذي لم تمض على تجنيسه عشرون سنة ميلادية وفقاً لحكم المادة 6 من المرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959 بقانون الجنسية الكويتية».

لكن وبعد أن تقدّم 15 نائباً بطلب إضافة التزام المرأة في الترشح والانتخاب بالقواعد والأحكام المعتمَدة في الشريعة الاسلامية، تمت إضافة البند مع بنود أخرى، منها خفض سن الناخب والسماح للعسكريين بالتصويت. ثم صدرت القوانين المنظّمة إثر إقرار حقوق المرأة السياسية، والتي جاء في صدارتها تسجيل النساء في الكشوفات الانتخابية وفقاً للكشوف الواردة من الهيئة العامة للمعلومات المدنية، ولم ينص القانون إطلاقاً ولا حتى أشار إلى أن يُحصَر تسجيل الناخبات على من ترتدي الحجاب، بل نص فقط على كل النساء اللاتي تتوافر لهن شروط الانتخاب بشكل عام. بل ولم يقم أحد من النواب الذين شاركوا في جلسات 2005 بإبداء أي إشارة أو ملاحظة لمسألة القواعد أو الأحكام المعتمَدة في الإسلام، ولم يُطرَح لا من بعيد ولا من قريب ارتداء المرأة للحجاب آنذاك، لكن في ما بعد ثارت زوابع تيار الإسلام السياسي، حيث اعترض بعضهم على وزيرة التربية «غير المحجبة»، ومن قبل على النائبتين غير «المحجبتين»، واحتاج الأمر الاحتكام إلى المحكمة الدستورية التي رأت في حكمها الصادر بتاريخ 16 / ‏‏ 07 / ‏‏2008 برفض الطعن في المسألة، كونه لا يكفي كي يتحقق شرط المصلحة.

خلاصة القول إنه لم يتم التطرق خلال نقاش القوانين المتعلقة بحقوق المرأة السياسية، وأيضاً خلال إضافة عبارة الضوابط والأحكام المعتَمَدة في الشريعة الإسلامية، إلى مسألة ارتداء زي محدد للمرأة، سواء في الترشح أو الانتخاب، ولذلك تأتي الإثارة من جديد لتضيف علامة تعجب خلف الأسباب الحقيقية وراء إثارة جدلية الحجاب مرة أخرى! ليأتي التفاعل غاضباً من أبناء الكويت في بيان صدر مندداً باستمرار نص الالتزام بالضوابط الشرعية في قانون مفوضية الانتخابات، بما يشكّل تعارضاً مع المبادئ الجوهرية والقيم السياسية التي تضمنها دستور الكويت بتحقيق العدل والمساواة بين الناس وعدم التحيّز إلى جنس دون الآخر.

الإسلام السياسي، وكما يوحي المُسمى، لا علاقة له بالدين كعقيدة ومنهج بقدر ما هو مرتبط بالشأن السياسي البحت وبصراعاته وتوجهاته وخططه للبقاء منتصراً في مجاله، شأنه في ذلك شأن أي حزب أو تكتل سياسي يراوغ ويهادن ويستخدم أوراقه عند الحاجة أو الضرورة، وهو أمر مشروع في كل نظام سياسي، سواء في الكويت أو في أي دولة أخرى، وكل ما أتى به قانون مفوضية الانتخابات أنه جعل الالتزام بالشريعة شرطاً مشتركاً بين الرجل والمرأة.

المشكلة هنا أن الإسلام السياسي مُصِر على التمسّك بثوابته السياسية التي تأتي غالباً على حساب المرأة، وأبرزها قضايا كالحجاب والاختلاط، كما أنه كتيار مصر على أنه مصدر للأخلاق والعقيدة والدين بشرائعه بالرغم من كونه أكثر اللاعبين نشاطاً ومراوغة وشراسة في الشأن السياسي، بدليل أنه سخّر تفسيره للعقيدة، عندما تم إقرار حقوق المرأة السياسية في الكويت، ليكون أكثر الرابحين من إشراك المرأة في الانتخابات حتى باتت لجانه الانتخابية الأكثر نشاطاً وحركة في كل انتخابات، بل لقد كان يتم استقطاب «غير المحجبات» للتصويت لمرشحي تيارات الإسلام السياسي، وبشكل سافر أحياناً، ويترجم طغيان الشق السياسي على النوازع «الدينية»، حين يتعلق الأمر بكسب ود الناخبات، محجبات كن أم سافرات.

دستورياً، تأتي مطالبهم بسن ضوابط مخالفة للدستور، الذي أقسم هؤلاء المنادون بالتفرقة على احترامه والعمل به، حيث تنص المادة رقم 29 على أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين»، كما أنها غير مقبولة اجتماعياً بحكم اختلاف رؤية المجتمع لقضايا، مثل الحجاب ووجود كويتيات مسيحيات لا ينطبق عليهن هذا الأمر. أما عقائدياً وتشريعياً، فإنها تقع ضمن جدلية الأمر بالحجاب، التي لا تزال مادة ساخنة يتبادلها مفكرون وأزهريون ورجال دين وسياسيون، بعضهم يرى أدلة تثبت فرض الحجاب، وآخرون ينكرون فرضه، والجميع يستند في ذلك إلى القرآن والسنّة. مع صعود نجم الإسلام السياسي في فجر السبعينيات، جاء الحجاب كأولوية يُستَدَل منها على شكل الالتزام لتيار محدّد، لذلك اختلف شكل حجاب الإخوان مثلاً عن هيئة الحجاب لدى السلف، لكنها بقيت كقضية تحتل أولوية لدى الإسلام السياسي وعنواناً للانضباط والالتزام، ومعهم يأتي الانتصار السياسي. كل ما في الأمر أن الحجاب تَحوّل في مفهومهم ليصبح حجاباً سياسياً يمنع انتخاب السافرات.

أما السؤال الجوهري في الموضوع هنا، فهو في كيفية تطبيق هذه «الحدود» على الرجال؟

* نقلا عن ” القبس “

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً