مستقبل الطاقة والحكمة السعودية

0

ذكرت في المقال السابق أن الوقود الأحفوري، وعلى رأسه النفط، تعرض خلال العقد الأخير إلى حملة شرسة وممنهجة من مطبخ سياسي واحد لتقويض صناعة النفط والاستثمار فيه، وأن هذه الحملة تستند إلى ذرائع متعددة لتحقيق أهدافها.

وضحت أن الذريعة الأكثر جذبا للتعاطف ولإضفاء مصداقية وزخما لهذه الحملة، هي البيئة والمحافظة عليها من التلوث والاحتباس الحراري والتغير المناخي الذي قد يغرق مدنا كاملة، وسيؤدي -بحسب زعمهم- إلى شح للمياه وكوارث لا تعد ولا تحصى.

السؤال العريض الذي يستحق التمعن بعيدا عن الأجندات السياسية الضيقة، والمصالح الشخصية الصرفة التي لا تصب في مصلحة أمن الطاقة العالمي، السؤال هو: هل من الحكمة والمنطق أن يتم حل مشكلة ما بإيجاد مشكلة أكبر وأقوى أثرا وتأثيرا؟ استشراف المستقبل ليس ترفا فكريا، ولا علما هامشيا، بل صناعة دقيقة ومعقدة تجيدها السعودية وتمارسها بحصافة وموثوقية والتزام، حيث إن استشراف المستقبل خليط من الماضي وخبراته المتراكمة والمعلومات المستخلصة منه للموضوع أو الظاهرة، محل الدراسة، والحاضر بمعطياته وأدواته المتاحة.

عند استشراف المستقبل لا يمكن إغفال جانب الاحتمالات المبنية على مدخلات دقيقة، وخبرات متراكمة تجيد قراءة المؤشرات المرتبطة بالموضوع أو الظاهرة، محل الدراسة، وقطاع الطاقة بأقسامه المختلفة يجري عليه ما يجري على غيره، فاستشراف مستقبله -في اعتقادي- يجب أن يكون رأس قائمة الأولويات العالمية، لكون ذلك ضرورة ملحة لجميع المنتجين والمستهلكين على حد سواء، وعلى المستويين الداخلي والخارجي كذلك.

الطاقة قلب التنمية النابض، وشريان الصناعة الرئيس، ولا يمكن أن تتحقق المدنية في معزل عن إمدادات مستقرة وآمنة للطاقة.

محاولة التقليل من أهمية الوقود الأحفوري من بعض الجهات والدول، وعلى رأسه النفط، والسعي الحثيث إلى تقويض صناعته -في اعتقادي- خطأ وخطر استراتيجي بمنزلة طريق سريع نحو فقر مدقع للطاقة لن يسلم كثير من تبعاته. وبكل حياد وإنصاف عندما نتناول موضوع الطاقة أو مستقبلها، فلا يمكن أبدا تجاوز السعودية ودورها الرئيس والقيادي دائما، حيث إن السعودية كانت وما زالت تعمل بكل مسؤولية نحو استقرار أسواق النفط العالمية، وتسعى دائما إلى توازنها واستقرار أسعارها عند مناطق معتدلة تخدم المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

السعودية تستشرف مستقبل الطاقة بحكمة وبحصافة، وتعي تماما أهمية تنويع مصادر الطاقة، ومنها بلا شك الطاقة المتجددة، حيث تقوم بالفعل بجهد كبير وتستثمر أموالا طائلة في هذا القطاع. تتعاطى السعودية مع ملف الطاقة العالمي وعلى الصعيد الداخلي بتوازن، فهي تعي يقينا أن النفط سيبقى متربعا على عرش مصادر الطاقة، وتعي كذلك أهميته التي ليست حكرا على الطاقة وحسب، فمنه منتجات وتطبيقات كثيرة تدخل في صناعة كل شيء حولنا تقريبا.

تنويع مصادر الطاقة يحافظ على ثروة الوقود الأحفوري الناضب، على المستويين الداخلي والخارجي كذلك، وإضافة شرايين جديدة إلى الطاقة العالمية ستسهم -بلا شك- في مواكبة النمو السكاني والصناعي العالمي.

حكمة السعودية تتجلى في تعاملها مع هذا الملف الاستراتيجي التي تنطلق -في رأيي- من معرفة أن العلاقة بين مصادر الطاقة علاقة تكاملية، وأن الوصول إلى مزيج أمثل للطاقة هو الحل الأجدى للعالم برمته، برفع كفاءة استخراج واستهلاك جميع مصادر الطاقة، لا بمحاربتها والإخلال بمنظومتها، وتهميش بعض مصادرها.

* نقلا عن صحيفة “الاقتصادية”

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً