تشخيص حالة (الصحوة) العامة الآن

0

في مرحلة أواخر السبعينيات وما بعد ذلك كثرت ممارسات هي أقرب إلى ممارسات العامة منها إلى ممارسات المجتمعات المنضبطة داخل مجتمع تسيره ثقافة النخب ووصاياها، ولنأخذ أمثلة على ذلك الاعتقاد بالعين (النضل أو النحت) هذه الممارسة موجودة منذ العصر الجاهلي وعززتها في الثقافة الإسلامية نصوص قليلة وملتبسة، وكان هناك مسلك شبه طبيعي في التعامل مع العين وذلك من خلال اللامبالاة أو التهميش أو التمرير، فالعين لم تدخل في نسيج اليقينيات في عموم المجتمع. نعم ورد فيها نصوص ولكن لم تدخل عند العامة مرحلة الهوس أو اليقين العامي كما حدث بعد ذلك في صعود العامة (الصحوة) وأصبح للعين معالجون شعبويون صحويون مرتزقون يعالجون العين والمس والسحر، وانتشر مفسرو الأحلام وتكثف هذا المسلك بشكل مرضي وانتشر بالمقابل بين العامة (الصحوة) حالات من الهوس السلوكي حتى كثرت القنوات المتخصصة في علاج العين ومس الجن والسحر وتفسير الأحلام وروجت بضائع ما كان لها أن تروج لولا الاستعداد الثقافي والذهني عند العامة (الصحوة) وهي مؤشر على أن المرحلة في حالة أزمة.

وهي تذكرنا بمؤشرات مشابهة وردت في التاريخ الإسلامي في مراحل تأزم الأمة فقد ذكر ابن كثير في أحداث ((سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِيهَا نُودِيَ بِبَغْدَادَ أَنْ لَا يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ الْقُصَّاصِ وَالطُّرُقِيَّةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي الطُّرُقَاتِ …))
وذكر في أحداث سنة (( سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
…وَفِيهَا نُودِيَ فِي الْبُلْدَانِ: لَا يَجْتَمِعِ الْعَامَّةُ عَلَى قَاصٍّ وَلَا كَاهِنٍ وَلَا مُنَجِّمٍ وَلَا جَدَلِيٍّ …))
مثل هذه النصوص منتشرة وكثيرة في كتب التاريخ وهي تدل على أزمة الأمة وانتشار ثقافة العامة وسلوكياتهم ومدى سطوتهم في الشارع ،وأنا أستغرب سلوكيات جماعات الإسلام السياسي كيف مررت سلوكيات للعامة(الصحوة) وهي تقدم نفسها للعالم الغربي كخيار مستنير وكيف بررت قوة العين مع استحالة استعمال هذه القوة أوقات الحاجة.

إن ما يحرك مجاميع العوام (الصحوة) داخل مشروع الإسلام السياسي ليس قناعاتها ولا عقلانيتها وإنما يحركها الاستعداد الذاتي للغوغائية والشعبوية وإن تلبست بلباس القناعات ظاهرا، وتحريك الجموع هي ممارسة طالما استغلت لصالح خطابات شعبوية لهذا يجب أن نلاحظ أن الجماعات الإسلامية النخبوية لم تحقق انتشارا يذكر ولا حراكا لصالح مشروعها مثل “حزب التحرير الإسلامي”، فهذا الحزب لا يمكن أن ينظم تجمع حزبي خطابي عام بسبب أنه من خلال هذا التجمع من الممكن أن يحدد تعدادهم ومدى قوتهم وهي معدومة هنا، وقد فهمت الجماعات الإسلامية مدى قوة” العامة “ومدى قدرتها على الانتشار والتمركز لصالح مشروع الإسلام السياسي لهذا صنع الإخوان المسلمين ومن يطلق عليهم السروريون ما يسمى بـ “شباب الصحوة”، وبما أن مجاميع العوام وتكتلاتهم تحمل في كيانها أمراضا لصيقة لطبيعة العوام مثل الغوغائية والطفولية والهوس وغيرها حملت معها هذه الأمراض إلى التحول الصحوي أو الالتزام الديني الغوغائي، كما حدث بعد ذلك، إن استعداد تيار الإسلام السياسي لتبرير ممارسات العامة(الصحوة) وأخطائهم تحت ذريعة الاحتساب أو إنهم مجتهدون أو إنهم متحمسون كل هذه الذرائع لا تعطي الصورة الصادقة والحقيقية للمشكلة،وكما هو معروف إن العامة بطبيعتها المنفلتة عصية على التوجيه أو التدجين فهي محدودة المعرفة محدودة الإدراك خارج تخصصاتها ولا نستغرب إذا وجدنا طبيبا عاميا أو مهندسا عاميا أو حملة شهادات عليا انظموا إلى داعش وهو ما حدث فعلا فالفكر العامي أو التفكير العامي ليس حكرا على الفئات الهامشية وإنما هو طريقة خاطئة في التفكير ونستطيع أن نحدده هنا بالتفكير الديني المضلل فالمسلك العامي هو ممارسة خارج نطاق التفكير العقلاني مثل تجمعات مشجعي كرة القدم إلا أن الخطاب هنا أعني داخل مشجعي كرة القدم غير متعدٍ للفكر فهي حالة غوغائية محصورة بكرة القدم وغير مهددة لتركيبة الانسجام الاجتماعي وكثيرا ما حاول جماعات الإسلام السياسي استمالة جماعات مشجعي الفرق الرياضية إلى جانبهم إلا أنهم فشلوا وذلك لعدم وجود أرضية مشتركة تذكر، وللنيل من مشجعي ومحاولة استدراجهم لخط (الصحوة الإسلامية) بالرغم من إصدار الفتاوى ونصائح حول لعبة كرة القدم وحكم تشجيع الأندية والانتماء لها والسبب في ذلك معروف فجماعات الإسلام السياسي من سياستها الدعوية العمل على احتكار جميع نشاطات الاتصال الجماهيري ومهاجمة كل نشاط من خارج السرب خصوصا إذا لم يتيسر لهم السيطرة عليه أو ضمه تحت جناحهم وهم أذكى الناس في استصدار فتاوى لصالحهم فهم متمرسون في صياغة الأسئلة للمشايخ.

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً