بايدن أضاع جهد بلينكن في الصين

0

شكّلت زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى بكين، كسراً للجليد السميك الذي تراكم على علاقات أكبر قوتين إقتصاديتين في العالم، وأعادها تقريباً إلى المربّع الأول الذي إنطلقت منه عام 1979. أما الحديث عن تحقيق إختراق في العلاقات، فيبقى سابقاً لأوانه ويحتاج إلى قراءة متأنّية.

في الشكل، لقي بلينكن استقبالاً رسمياً على قدر من الأهمية. دليل ذلك، لقاءاته مع الرئيس شي جينبينغ ورئيس الدبلوماسية في الحزب الشيوعي وانغ يي ووزير الخارجية تشين غانغ، في حين أنّ في المضمون، لم يطرأ تغيير يُذكر، لا على الخطاب الصيني، ولا على الخطاب الأميركي، ما يدلّ إلى أنّ القضايا الخلافية لا تزال في حاجة إلى جولات أخرى من الدبلوماسية والحوار بين البلدين.

الخلافات تمتد من القضايا التجارية ولا تنتهي عند التنافس الإقليمي المحتدم في المحيطين الهادئ والهندي وسجل حقوق الإنسان. ويبقى العنوانان الأساسيان للخلافات الإقليمية، تايوان وبحر الصين الجنوبي.

الصين تتهم الولايات المتحدة بالسعي الحثيث إلى “احتوائها” ومنعها من أن تشكّل منافساً عالمياً نداً لها إقتصادياً وسياسياً. ولهذا السبب ذهبت أميركا في السنوات الأخيرة نحو إقامة أحلاف أمنية وتكتلات تجارية في منطقة آسيا-المحيط الهادئ. كما وقّعت اتفاقات عسكرية مع دول مهمّة مثل الفيليبين ومع دول صغيرة مثل مكرونيزيا وبابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان. وزادت أميركا من مساعداتها العسكرية لتايوان، وعزّزت قواتها في المنطقة في رسالة “ردع” لبكين من مغبة محاولة الإقدام على ضمّ الجزيرة بالقوة. وتنصّ استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، على أنّ الصين هي التحدّي الأول الذي يواجه أميركا في السنوات المقبلة. وضعت هذه الاستراتيجية الصين قبل روسيا، لجهة تشكيل الخطر على الولايات المتحدة.

تدهورت العلاقات الأميركية-الصينية في ظلّ رئاسة دونالد ترامب، الذي وضع تعرفات جمركية عالية على الواردات الصينية، وفرض عقوبات على مسؤولين وشركات صينية بتهمة اضطهاد بكين أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ شرق البلاد. وعندما جاء جو بايدن إلى الرئاسة، لم يغيّر من العقوبات وإنما زاد عليها وأبقى التعرفات الجمركية. والآن، تتفاعل قضية الإتهامات الأميركية للصين بزرع قواعد تجسّس وتنصّت على الولايات المتحدة إنطلاقاً من كوبا.

وشكّلت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة نانسي بيلوسي تايوان في آب (أغسطس) الماضي، انحداراً جديداً في العلاقات. ومع ظهور المنطاد الصيني أوائل العام الجاري في الأجواء الأميركية، تلبّدت العلاقات أكثر، مع اتهام واشنطن بكين بإرسال المنطاد عمداً بغرض التجسّس، بينما الرواية الصينية كانت تصرّ على أنّ الأمر لا يعدو كونه من فعل الرياح التي قذفت بالمنطاد فوق الأراضي الأميركية، وأنّ لا أساس لمسألة التجسّس. وأضاف تعريج رئيسة تايوان تساي إينغ-وين على الولايات المتحدة في نيسان (أبريل)، واستقبال رئيس مجلس النواب الأميركي كيفن ماكارثي لها، مزيداً من التعقيد على العلاقات الثنائية.

وتعقيدات الحرب الروسية-الأوكرانية ليست غائبة عن عوامل زيادة الإحتقان بين بكين وواشنطن. منذ اندلاع الحرب في شباط (فبراير) 2022، سعت أميركا، من دون جدوى، إلى ضمّ الصين إلى نظام العقوبات الغربي على روسيا، أو على الأقل ألاّ تشكّل الصين منفذاً لروسيا للإلتفاف على العقوبات الغربية. وتدرك أميركا، أنّه طالما أنّ الصين تحتفظ بعلاقات تجارية قوية مع روسيا، فإنّ ذلك سيُصعّب من مهمّة تدمير الإقتصاد الروسي.

عندما تقدّمت الصين في آذار (مارس) بمبادرة للسلام في أوكرانيا، سارعت الولايات المتحدة إلى اتهام شركات صينية بتزويد روسيا بمعدّات عسكرية. هذا الإتهام في توقيته أتى ليقطع الطريق على أي أمل بنجاح المبادرة الصينية للحل.

يخفي هذا الكمّ الهائل من الخلافات بين الصين وأميركا، والذي يرقى إلى حرب باردة جديدة، تنافساً شرساً على المكانة العالمية. الولايات المتحدة تدافع بقوة عن موقعها كقوة عظمى وحيدة منذ سقوط جدار برلين وتفكّك الإتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود. وفي المقابل ترى الصين أنّ قوتها الإقتصادية تؤهّلها للدفع نحو نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب، يكسر الهيمنة الأميركية.

جوهر زيارة بلينكن الرئيسية لبكين غايته خفض التصعيد. هل نجح في ذلك؟
إنّ وصف بايدن شي جينبينغ بـ”الديكتاتور” بعد يومين من زيارة بلينكن، يدلّ إلى أنّ الأمور لا تزال على حالها.

* نقلا عن “النهار

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً