انقلاب النيجر وتنامي الجماعات المتطرّفة في إفريقيا

0

تتمتع دولة النيجر بموقع جيواستراتيجي جعلها قريبة من تهديدات تنظيمي “بوكوحرام” في نيجيريا و”القاعدة” التي تطلّ برأسها على أغلب العواصم الإفريقية، بعد نجاح الانقلاب العسكري الذي قام به الحرس الرئاسي على الرئيس محمد بازوم يوم الأربعاء في 26 تموز (يوليو) 2023 وأيّده الجيش في ما بعد.

كيف يمكن أن يؤثر الانقلاب في النيجر على نمو الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي؟ وهل تتأثر الإستراتيجيات الأميركية والأوروبية الخاصة بمواجهة تنظيمات العنف والتطرّف في القارة السمراء بما حدث في نيامي؟ وهل تُؤثر الفوضى التي خلّفها الانقلاب العسكري في النيجر على ليبيا المزكومة بالإرهاب، ومالي التي تُعاني من تصاعد في العمليات الإرهابية بعد انسحاب القوات الفرنسية منها؟

الموقع الجغرافي للنيجر ربما يُساعد كثيراً في تنامي الجماعات الإرهابية في قارة إفريقيا عموماً ودول الساحل والصحراء بعد الانقلاب العسكري، وما سوف يخلّفه من فوضى ربما تمتد لفترة طويلة، وفق القراءة الأولى لمسار الأحداث واستشراف المستقبل السياسي والأمني سواء في النيجر أو الدول المجاورة لها.

النيجر ملاصقة لدولة مالي التي خرجت منها القوات الفرنسية بعد اتفاقية برخان، وقد خلّفت وراءها صعوداً كبيراً للتنظيمات المتطرّفة، ولعلّ فرنسا تخسر بهذا الانقلاب، النيجر، وبذلك تضيع الجهود الأوروبية في مواجهة الإرهاب المتصاعد في دول الساحل الإفريقي، بخاصة مع الانقلابات المتكرّرة في دول الغرب الإفريقي على وجه الخصوص.

لا شك في أنّ هناك صراعاً سياسياً بين روسيا من جانب وأميركا وأوروبا من جانب آخر على القارة الإفريقية؛ فهناك مؤشرات تؤكّد أنّ روسيا كانت تدعم الحركة الإنقلابية التي أزاحت الرئيس بازوم الموالي لباريس من السلطة، وأنّ هذا تمّ بمساعدة قوات “فاغنر” الروسية، وهو ما كان واضحاً بصورة لافتة من هتافات بعض المتظاهرين المؤيّدين للانقلاب أو حتى من خلال الأعلام التي رُفعت وسط هذه التظاهرات.

هناك صراع أميركي- أوروبي- روسي في أوروبا وتحديداً في شرق القارة العجوز، ولعلّ الحرب الأوكرانية إحدى حلقاته. هذا الصراع سوف يُخلّف حركة جهادية بدأت تظهر تداعياتها مع بدايات الحرب المستمرة، وهو صراع امتد إلى منطقة الشرق الأوسط من قبل، ولكن تبدو صورته أكثر وضوحاً في القارة الإفريقية الغنية بثرواتها.

فقد أرادت روسيا أن تردّ على الدعم الأوروبي لأوكرانيا ولكن في إفريقيا وتحديداً في النيجر، التي تدعم باريس بقرابة 70% من الكهرباء اللازمة لمحطات الطاقة النووية، فالبلد الإفريقي أكبر مغذٍ لباريس من احتياجات اليورانيوم، وهو ما دفع الأخيرة للتنديد بالانقلاب الذي يدفع بكل تأكيد إلى مزيد من التمدّد للجماعات المتطرّفة في إفريقيا، كما أنّ المكسب الروسي الأخير في النيجر قد يؤثر على المعركة المدعومة أوروبياً في أوكرانيا!

والملمح الأهم في الصراع السياسي والعسكري في إفريقيا بين القوتين الكبيرتين الممثلتين في أميركا وحلفاءها من جانب وروسيا من جانب آخر، أنّه سوف ينعكس بصورة كبيرة على تنامي الجماعات المتطرّفة في منطقة الساحل والصحراء؛ هذه التنظيمات تستفيد من الفوضى وحالة الحرب المشتعلة في إعادة تموضعها داخل القارة.

النيجر الدولة الثانية التي تخسرها فرنسا، وبازوم آخر حلفاء فرنسا في غرب إفريقيا بعد انقلابات عسكرية عدّة في دول الغرب الإفريقي أغلبها تمّ دعمه من قِبل روسيا في إطار الصراع الروسي- الأوروبي على إفريقيا؛ هناك من يكسب وهناك من يخسر في هذا الصراع، ولكن الحقيقة التي لا يمكن أن نختلف عليها أنّ القوتين الكبيرتين روسيا وأوروبا هما الخاسرتان في هذه المعركة، بينما التنظيمات الإرهابية في هذه القارة هي الرابح الوحيد من الصراع أولاً ومن الحرب ثانياً.

إنقلاب عسكري في بوركينا فاسو أواخر عام 2022 سبقت إليه روسيا، وخروج اضطراري لفرنسا من مالي، وأوضاع مضطربة مع تنامي التنظيمات المتطرّفة في ليبيا، وما بين هذه العواصم الإفريقية يبدو الصراع المسلّح في السودان بلا حل على الأقل في الوقت القريب، مفردات كلها تصبّ في صالح التنظيمات المتطرّفة التي رحلت إلى إفريقيا بعد خسارتها في منطقة الشرق الأوسط وسقوط دولة “داعش” في 22 آذار (مارس) من العام 2019.

فشل المجتمع الدولي في القضاء على “داعش” بشكل كامل في منطقة الشرق الأوسط، فبدأت تنشط خلاياه بصورة أكبر في القارة الإفريقية مع صعود جديد لتنظيم قاعدة “الجهاد”، حيث انقسمت القارة بين التنظيمين الكبيرين، فكل التنظيمات المحلية والإقليمية داخل القارة أعلنت إما مبايعتها لـ”داعش” أو لـ”القاعدة”، وإنّ كنّا نرى وجود أكبر للقاعدة داخل هذه القارة.

وهنا يتكرّر مشهد الفشل الدولي في مواجهة الإرهاب ولكن في إفريقيا التي ذهب إليها “داعش” من دون أن يتنبّه المجتمع الدولي لهذا الخطر، أو لعلّه لم يعره أي اهتمام يُذكر، فوجدنا صراعاً سياسياً وعسكرياً في قلب القاهرة وغربها، بينما لا اهتمام مطلقاً بخطر التنظيمات المتطرّفة التي تتنامى بصورة كبيرة على خلفية هذا الصراع.

لعلّ الفقر وعدم وجود تنمية حقيقية داخل القارة مع ضعف الأنظمة السياسية وضعف منظومتها الأمنية، أعطت قوة للتنظيمات المتطرّفة التي تتحرّك بأريحية شديدة بين العواصم الإفريقية، حتى الجهود المتواضعة لمواجهة هذه التنظيمات من قِبل الغرب أو حتى من قِبل الإتحاد الإفريقي تمّ القضاء عليها أو تاهت وسط الصراعات العسكرية والانقلابات المدبّرة والمدعومة في القارة الإفريقية.

ولعلّ الحالة التي تعيشها القارة الإفريقية حالياً جزء من الواقع المأزوم الذي يعيشه العالم إزاء المواجهة الخجولة للإرهاب. هناك مواجهة للإرهاب ولكن هناك في الوقت نفسه صعوداً وتنامياً لهذا الإرهاب! فقد اتفق العالم على كل شيء ولكن غاب عنه شيء واحد ألا وهو ضرورة مواجهة هذا الإرهاب، فقدّم مصالحه السياسية الخاصة على مواجهة التحدّي الأهم والأبرز لهذا العالم، ممثلُاً في جماعات العنف والتطرّف.

لا بدّ من وضع استراتيجية عامة تتبنّاها الأمم المتحدة لمواجهة تنظيمات العنف والتطرّف. وعلى كل الدول أن تلتزم بها، كما تلتزم بقوانين الحرب والصراع وحقوق الأسير والجريح وحق المدنيين في الحروب، وضرورة وجود ممرات آمنه لهم، فلا بدّ من أن تكون في المقابل ضمن ميثاق الأمم المتحدة، خريطة تُلزم الجميع بضرورة مواجهة الجماعات المتطرّفة، فلا تقدّم مصلحة سياسية خاصة على المصلحة العامة الأهم والأولى، الممثلة في مواجهة جماعات العنف والتطرّف.

* نقلا عن “النهار

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً