النظام الإيراني والحجاب… عود على بدء

0

لم يكن مفاجئاً أن يعود النظام الإيراني أو منظومة السلطة لإعادة تفعيل جهاز “شرطة الأخلاق” “گشت ارشاد – دوريات التوجيه”، فهذه المنظومة اختارت منذ بدء الانتفاضة الشعبية التي اتخذت من حادثة مقتل الفتاة مهسا أميني على يد عناصر هذا الجهاز شعاراً لها لتعلن اعتراضها على “إجبارية الحجاب”، واختارت أن تنحني أمام العاصفة وتقدم تنازلاً مرحلياً بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض مرة أخرى على الشارع والمعترضين وإعادة الأمور إلى “النصاب” الذي يريده أو ينسجم مع رؤيته العقائدية والأيديولوجية ويلبي مطالب الأقلية الشعبية من قاعدته المؤدلجة.

قرار إعادة تفعيل عمل هذا الجهاز من الصعب أن يكون بمبادرة من السلطة التنفيذية التي يبدو أنها لم تخرج من صدمة الخطر الذي لمسته من تداعيات حركة الاحتجاج التي اندلعت في الأشهر الأولى من تولي رئيسها مهماته في رئاسة الجمهورية في انتخابات شابتها علامات استفهام وأسئلة كثيرة حول شرعيتها التمثيلية وتراجعت المشاركة الشعبية في عملية الاقتراع بشكل كبير في سابقة لم تحصل منذ قيام النظام الإسلامي.

من المستبعد أن يكون قرار عودة هذه الدوريات للشوارع صادراً عن السلطة التنفيذية لأن هذا الجهاز الذي تتبع له، كما غيره من الأجهزة الأمنية والعسكرية وقوات الشرطة لا يندرج ضمن أو تحت صلاحياتها وسلطتها، بل يدخل ضمن صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي هو مرشد النظام، وأن هذه الجهة هي التي أعطت الإشارة لعودة آليات ودوريات هذا الجهاز لشوارع العاصمة طهران، وهي نفسها الجهة التي أعطت التوجيهات لتشكيل هذا الجهاز، ثم أعطت الأوامر بعد انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” بتعطيل أو تعليق عمله لحين اتضاح الصورة.

الخطوة التراجعية التي لجأت إليها منظومة السلطة ترافقت مع عودة الجدل حول ضرورة إعادة النظر في القوانين الناظمة لعمل هذا الجهاز وأيضاً القوانين ذات الصلة بالسلوكات الاجتماعية التي يندرج موضوع إلزامية الحجاب تحتها، إلا أن تمسك الجماعات المتشددة بموفقها الرافض لأي تنازل في موضوع إلزامية الحجاب، أراحت البرلمان الذي يمثل التيار الموالي للنظام والسلطة، مما سمح بإقرار قانون جديد يعيد تعريف السلوكات الاجتماعية وحدود ودور المؤسسات الناظمة أو المراقبة.

“الهجوم الارتدادي” الذي قام به المتشددون بإعادة دوريات التوجيه إلى الشوارع الإيرانية، يعبر عن حجم الانقسام داخل التيار الموالي للنظام، بين جماعة ترى ضرورة اللجوء إلى نوع من الليونة في التعامل مع النساء والفتيات اللواتي ينزعن الحجاب في الأماكن العامة والمؤسسات في الحدود التي لا تجرح الحياء العام أو تخرج عن الحدود الاجتماعية لأي مجتمع محافظ، وأن هذه الليونة تصب في إطار الحفاظ على النظام واستمراريته لأن العودة لسياسة الفرض والضغط والملاحقة ربما تولد انفجاراً جديداً في المجتمع الإيراني لا يمكن معرفة ما سينتج منه، في حين أن الجماعة الداعمة لهذه الإجراءات تتذرع بوجود مطالب شعبية لإعادة فرض الحجاب، مستغلة أزمة النظام وما يواجهه من صعوبة في الذهاب إلى أي قرار يشكل تراجعاً عن مبادئه الأيديولوجية التي لخّص إشكاليتها الكاتب الإيراني علي شريعتي مبكراً بقوله “الأيديولوجيا نسق مغلق، يغذي الرأس بمصفوفة معتقدات ومفاهيم ومقولات نهائية، تعلن الحرب على أية فكرة لا تشبهها، حتى تفضي إلى إنتاج نسخ متشابهة من البشر”، وهي بذلك تختلف عن النزعة الإنسانية للدين والاجتماع البشري التي تعترف بالتعددية والتنوع والاختلاف.

وقد يكون من الصعب على النظام ومنظومته الأيديولوجية والسلطوية إرجاع العقارب إلى الوراء وعدم الاعتراف بالمستجد الذي استطاعت شريحة واسعة من المجتمع الإيراني انتزاعه ودفعت ثمنه دماً وقمعاً واعتقالاً وملاحقة، وهذا ما قد يدفع القوى الإصلاحية أو الجماعات التي تقع خارج الإطار المحافظ، إلى التحذير من عواقب العودة لخيار “تفتيش العقائد”، ومحاكمات أخلاقية وقانونية في الشوارع عبر قاض يرافق الدورية الأخلاقية في سيارتها “محاكم تفتيش متنقلة وسيارة”، وما في ذلك من انتهاك لأبسط الحقوق الإنسانية والقانونية في التقاضي والتحاكم ويسقط عن المتهم الحق بوجود محام يدافع عنه، وهو أمر قد يولد انفجاراً اجتماعياً سيكون أصعب وأكثر تعقيداً من السابق.

الجماعات غير الموالية لمنظومة السلطة، أو التي تصنف خارج أيديولوجية النظام، تجد نفسها في موقف حرج ومعقد، فهي من جهة، ترفع شعار الحريات الشخصية وحق التعبير وقاتلت من أجله وتعرضت لملاحقات ودفعت ثمناً سياسياً كبيراً عندما أبعدتها قوى الدولة العميقة عن القرار والمشاركة، وعليه، فإنها تجد نفسها في موقف لا يمكن إلا أن تكون في موقع الدفاع عن اختيارية الحجاب وهو موقف لا يتعارض مع جوهر الموقف الديني، كما هو في الصلاة والصوم، لجهة الوجوب والإلزام، ومن جهة أخرى، تعلن عن مخاوفها بوجود جماعة تعمل ضد النظام وترفع شعاراته أو تتخذ من مواقف النظام الأيديولوجية غطاء لتصرفاتها، والتي قد تؤدي إلى تقويضه وتساعد على الانقلاب عليه. أما في البعد المباشر والمصلحي، فإن الجماعات الإصلاحية ترى في عودة النظام لسياسة التشدد في المسائل الاجتماعية وإلزامية الحجاب وملاحقة المخالفين في الشارع، مدخلاً إلى استعادة موقعها داخل الشارع الإيراني الذي ابتعد أو انفض عنها نتيجة تراكم السلبيات وفشلها في إحداث التغيير المطلوب، بخاصة أن البلاد قد دخلت عملياً في أجواء معركة الانتخابات المبكرة التي ستجرى مطلع مارس (آذار) المقبل 2024.

على المقلب الآخر، فإن الحراك النسوي المعارض لإلزامية الحجاب موزع على مستويين، الجيل القديم الذي تعايش لعقود مع إلزامية الإجراء، وهو وإن كان قد تخلص من الحجاب، إلا أنه ما زال ملتزماً برعاية الاحتشام ويتجول بنوع من الحرية، في حين أن الجيل الجديد أو ما يعرف بجيل “زدZ “، فكسر جميع المحاذير وخرج عن المألوف الاجتماعي بحيث أنه دخل في تحدّ حقيقي مع النظام وأجهزته في تعبير واضح عن الانقسام الثقافي في مقابل المنظومة الأيديولوجية للسلطة، وبالتالي، أسقط من اعتباراته ما يمكن أن تلجأ إليه أجهزة النظام من إجراءات وتصرفات، بخاصة أن هذا الجيل يتحرك خارج كل الحسابات إلا حساباته الخاصة التي لا تعترف بالمنظومة الأبوية للنظام أو العائلة المتهمة أساساً بالتدجين.

نقلاً عن إندبندنت عربية

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً