السعودية وإيران… نحو تعاون إقليمي أعمق

0

قد يكون من السهل وصف الزيارة التي سيقوم بها وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان إلى العاصمة السعودية الرياض أنها طبيعية في سياق تلبية الدعوة التي وجهها له نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله آل سعود أثناء زيارته العاصمة الإيرانية طهران في 17 يونيو (حزيران) الماضي منهياً قطيعة بين البلدين استمرت لنحو عقد من الزمن.

وقد يكون من السهل أيضاً وصف الزيارة الإيرانية بأنها تصب في سياق تعزيز التعاون بين البلدين وتفعيل الاتفاق التاريخي الموقع بينهما في مارس (آذار) الماضي برعاية صينية، وأن على طهران تنفيذ التزاماتها بعد أن قامت الرياض بما عليها.

إلا أن الكشف عن موعد الزيارة اقترن بحدثين مهمين، الأول تمثل في الإعلان عن توصل النظام الإيراني إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية حول تبادل السجناء والأموال الإيرانية المجمدة، والثاني وهو الأهم، القرار السعودي والمبادرة إلى تعيين عبدالله سعود العنزي سفيراً للمملكة في طهران، وهي خطوة تؤكد التزام القيادة السعودية الكامل دفع الاتفاق إلى الأمام بغض النظر عن بعض العراقيل الناتجة من تباطؤ الجانب الإيراني بتنفيذ التزاماته اتجاه الرياض.

نقطة تحول

من المتوقع أن تشكل زيارة عبداللهيان إلى الرياض نقطة تحول في العلاقات الإيرانية السعودية، والإيرانية الخليجية، وقد تحمل ترجمة عملية لنتائج تطبيع العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الرياض وطهران، وتفتح الطريق أمام طرح مشروع تشكيل “مجلس الحوار والتعاون” الإقليمي ويضم في عضويته دول مجلس التعاون الخليجي وكلاً من إيران والعراق (6+2)، وهي الرؤية التي وضعت على طاولة المنطقة مع زيارة بن فرحان إلى طهران والجولة التي قام بها عبداللهيان لأربع عواصم خليجية وهي أبو ظبي والكويت ومسقط والدوحة، وسبقتها الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعها أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني قبل إقالته من منصبه مع الإمارات والعراق بعد عودته من بكين والتوقيع على الاتفاق مع السعودية.

وقد تكون فكرة هذا المجلس ليست جديدة لدى النظام الإيراني، فقد سبق أن حاول وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف الترويج لها في إطار الرؤية الاستراتيجية للنظام التي تبنتها حكومة الرئيس حسن روحاني وتدور حول محور إقامة “منطقة قوية” من خلال اتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية وتنموية بين دول المنطقة وتشكيل قوة عسكرية مشتركة تتولى مهمة أمن دول المنطقة وتحمي الممرات الدولية وإمدادات الطاقة، وتمهد للتخلي عن وجود قوات أجنبية في هذه المنطقة الجيوسياسية سواء أميركية أو تابعة لحلف “الناتو”.

المشروع الذي طرحه روحاني وظريف جاء في توقيت غير مناسب، ولم تساعد المفاوضات المتقدمة التي كانت تجري بين إيران والسداسية الدولية حول البرنامج النووي في الحد من الهواجس والتخفيف من مخاوف الدول الخليجية من الطموحات الإيرانية والنفوذ الإقليمي والدور السلبي الذي تمارسه في الشرق الأوسط وتهديد استقرار الدول إضافة إلى دورها السلبي في اليمن.

التطورات التي حصلت على المستوى الإقليمي انطلاقاً من اتفاق بكين بين الرياض وطهران، والمتغيرات الجديدة التي نتجت من ذلك وأنهت عقوداً من التوتر وتراكم الأزمات، قادرة على فتح مرحلة جديدة تنقل المنطقة إلى مستويات من التعاون والشراكة الاقتصادية والتجارية على مختلف الصعد، بخاصة بين الأقطاب الأساسيين المتنافسين، بالتالي تفتح الأفق أمام تفعيل التعاون الدبلوماسي والبحث عن حلول سياسية للأزمات.

هذه المتغيرات التي برزت وفرضت نفسها بعد اتفاق بكين، ونشرت أجواء من الإيجابية فوق علاقات إيران مع دول المنطقة (بالنسبة إلى النظام) تهدف لتحقيق أهداف عدة بمستويات مختلفة، في مقدمتها أو في المرحلة الأولى، مسألة العودة إلى ترميم العلاقات الثنائية بينها وبين دول المنطقة والسعي لإنهاء حالة التوتر في العلاقات معها، وهي أحد الأهداف الرئيسة التي تتمسك بها طهران في اتفاق بكين وتعتبرها نقطة محورية ومفصلية في علاقاتها مع السعودية.

ترميم علاقات

وتعتقد دوائر القرار في النظام الإيراني والدوائر الدبلوماسية أن عودة العلاقات الثنائية بين إيران والدول الخليجية ستفتح الطريق أمام ترميم علاقاتها الإقليمية وفتح مسارات جديدة من التعاون والتكامل الإقليمي والعمل المشترك في التوصل إلى حلول لأزمات المنطقة من اليمن مروراً بسوريا والعراق ولبنان وكل الأزمات الأخرى.

وسيساعد التوصل إلى وضع أسس واضحة وصريحة وشفافة حول التعاون والتنسيق، على الدفع بفكرة تشكيل مجلس الحوار والتعاون وتحويله إلى منظمة إقليمية تتولى مهمة التعامل مع أزمات المنطقة ووضع حلول لها، وفي الوقت نفسه تكون هذه المنظمة الجهة الضامنة للالتزام وتطبيق التفاهمات والحلول التي تطرحها لحل هذه الأزمات. وفي حال استطاعت دول المنطقة الوصول إلى تفاهم أو توافق على تشكيل هذه المنظمة الإقليمية، يصبح من الطبيعي أن تنتقل من مستوى التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والتنموي إلى مستوى التعاون الأمني، من خلال العمل على تشكيل منظمة أمنية إقليمية رديفة للمنظمة السياسية تكون الحارس والمدافع والذراع التي تساعد هذا المجلس أو المنظمة على توفير الحماية لاستقرار وأمن المنطقة والدفاع عنها وعن مصالحها.

أما الهدف الأكثر إلحاحاً للنظام الإيراني، الذي يدفعه لبذل كل ما يملكه من إمكانات سياسية وضمانات قد يقدمها لتقليل مخاوف دول المنطقة من طموحاته وأطماعه، هو السعي لمواجهة التمدد الإسرائيلي في المحيط الإيراني وما يشكله من تهديد مباشر لأمنه القومي ومصالحه الوطنية، وأن الدفع لتشكيل منظمة إقليمية من إيران والدول الخليجية مع العراق ستشكل حاجزاً يحد من التهديد الإسرائيلي ويقطع الطريق عليه من تحويل المحيط الجغرافي لإيران لمصدر تهديد لها ولمصالحها.

وما بين الطموح والواقع، أو ما بين تحويل الطموح إلى واقع، يأتي الأداء الإيراني في علاقاته مع دول المنطقة على رأس أسباب وعلل النجاح والفشل، وزيارة عبداللهيان إلى الرياض ستشكل الإخبار الجدي والحقيقي لنوايا إيران ومدى رغبتها في تحقيق هذه الرؤية التي لا يمكن أن تترجم واقعياً من دون تبنيها من جانب الرياض ومعها دول الخليج الأخرى، واعتبارها مشروعاً استراتيجياً على المستوى الإقليمي يساعد في التخفيف من التهديدات التي تحيط بالمنطقة.

نقلا عن اندبندنت عربية

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً