الركود الاقتصادي المنتظر .. أين هو؟

0

الاقتصاد الأميركي يتحرك بمسارات مخالفة للتوقعات، وأسعار الأسهم تحقق قمما عالية جديدة وشركة أبل تصل إلى ثلاثة تريليونات دولار كقيمة سوقية. ما الذي يحدث هنا؟ وأين الركود الاقتصادي المنتظر؟

النمو الاقتصادي في الربع الأول من 2023 جاء بنسبة 2 في المائة، كنمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ويعد ذلك نموا معقولا في ظل ارتفاع معدلات الفائدة التي يقف فيها معدل التمويل الفيدرالي عند 5.25 في المائة، وهو المقياس الذي تعتمد عليه أسعار الفائدة. لم يتحقق الركود الاقتصادي المنتظر الذي كانت معظم التقديرات العام الماضي تشير إلى حدوثه في أول 2023 إلى منتصفه، وإن كان هناك من يتوقع حدوثه في النصف الثاني من 2023.

جملة من الدلائل والمؤشرات الحالية لا تشير إلى ركود اقتصادي رغم التوقعات بمزيد من رفع معدلات الفائدة في الاجتماعات المقبلة للمجلس الاحتياطي الفيدرالي، ورغم قيام بعض البنوك المركزية برفع معدلات الفائدة، مثل كندا والبنك الأوروبي المركزي والمملكة المتحدة. بالنظر إلى نمو الاقتصاد الأميركي نجد أنه كان ينمو بنسب معتدلة ومتوقعة بحدود 2 في المائة كنمو حقيقي خال من تأثيرات التضخم إلى أن ضرب فيروس كورونا اقتصادات العالم فتراجع الاقتصاد الأميركي بنسبة 33 في المائة في الربع الثاني من 2020، ثم بدأ بالتعافي السريع نتيجة ضخ مئات المليارات من الدولارات في شرايين الاقتصاد ليعاود الصعود بوتيرة أعلى من ذي قبل، حيث ظهرت نسب نمو فصلية تزيد على 6 في المائة في 2021.

تأثرت أسعار الأسهم في بداية 2022 نتيجة عدة عوامل جيوسياسية وكردة فعل لبداية رفع معدلات الفائدة، فحدث هناك تراجع في النمو الاقتصادي بنسبة 1.6 في المائة ومن ثم بنسبة 0.6 في المائة للربعين الأول والثاني من 2022، وهي الظاهرة التي تعد أحد مقاييس الركود الاقتصادي وأقواها دلالة، إلا أن الركود الاقتصادي يقاس بعدة عوامل أخرى.

* نقلا عن صحيفة “الاقتصادية”

بداية، تجدر الإشارة إلى أن آثار الركود الاقتصادي على الناس واضحة جدا، فهي الأوقات التي يشعر فيها الفرد بصعوبة الحصول على وظيفة، ومن لديه وظيفة يشعر بصعوبة الحصول على العلاوة السنوية، وتقل فرص العمل الإضافي والدورات التدريبية، وهكذا. في هذه الأثناء تتراجع المنشآت التجارية عن تنفيذ خططها الطموحة وتؤجل تنفيذ بعض المشاريع، وذلك بسبب التوقعات بانخفاض الطلب على المنتجات والخدمات، من جهة أخرى بسبب ارتفاع تكاليف التمويل التي قد تغير جدوى كثير من المشاريع.

هذه الأعراض للتضخم لم تظهر في الولايات المتحدة حتى الآن، بل إن هناك طلبا كبيرا على الأيدي العاملة في بعض المجالات كالضيافة والسفر، إلى استقرار ملحوظ في الوظائف الأخرى، وتراجع في طلبات المعونة ضد البطالة، مع تدني مستويات البطالة التي تقف الآن عند مستويات متدنية تاريخيا عند 3.7 في المائة. كذلك هناك مقياس الطلب على السلع المعمرة التي تستخدم لعدة أعوام وليست كالسلع الاستهلاكية قصيرة المدى، حيث ظهرت بيانات أيار (مايو) الماضي للطلبات الجديدة بمقدار 288 مليار دولار، بارتفاع بنسبة 1.7 في المائة ويدل ذلك على وجود إقبال على شراء تلك السلع المعمرة وتراجع شهية الناس نحو الاستهلاك والإنفاق.

وإن نظرنا إلى عوائد السندات فهي الأخرى تشير إلى توقعات ارتفاع الفائدة على المديين القصير والمتوسط، حيث يقف العائد على السندات الحكومية العشرية عند 3.85 في المائة، وهو في ارتفاع متواصل منذ نحو شهرين، ويدل على عدم احتمال وقوع ركود اقتصادي الذي بطبيعة الحال يستلزم خفض معدلات الفائدة لإنعاش الاقتصاد. هذه الدلائل وغيرها لا تشير إلى ركود اقتصادي قريب، وذلك أمر يخالف التوقعات في ظل الظروف الاقتصادية الأميركية والعالمية.

أما حين النظر إلى أسعار الأسهم فهي تأتي مخالفة لجميع التوقعات، ليس لأنها لم تتراجع بل لكونها تحقق ارتفاعات كبيرة غير آبهة بما قد يأتي من ركود، فنجد أن المؤشر الرئيس للأسواق الأميركية، مؤشر S&P 500، مرتفع 14.5 في المائة منذ بداية العام، وهو المؤشر الذي ينظر لأدائه السنوي بحدود 9 في المائة كعائد مناسب جدا. أما مؤشر أفضل 100 شركة تقنية، مؤشر ناسداك 100، فقد حقق منذ بداية العام نموا بنسبة تقارب 40 في المائة حتى يوم أمس، وأحد مكونات هذا المؤشر أسهم شركة أبل التي وصلت قيمتها الآن إلى ثلاثة تريليونات دولار، وذلك أعلى قيمة لأي شركة في العالم الآن وسابقا.

كيف يمكن تفسير ما يحدث في الولايات المتحدة؟ من جهة حركة أسعار الأسهم فيقال إن أقوى المؤشرات المستقبلية للاقتصاد هي مؤشرات حركة الأسهم بسبب كثرة المحللين الاقتصاديين والماليين الذين يتعاملون بالأسهم وممن لديهم استثمارات ضخمة يهمهم أمرها، لذا فهم يبذلون قصارى جهودهم في دراسة وتحليل وتمحيص ما يقع بين أيديهم من بيانات وتوقعات مستقبلية ليتمكنوا من اتخاذ القرارات المناسبة. لذا من الواضح أن قراراتهم فيما يخص الأسهم عموما، والأسهم التقنية خصوصا، تشير إلى نمو كبير في المستقبل المتوسط والبعيد.

التفسير الآخر لتماسك أسواق الأسهم قد يكون مصدره احتمالية التضخم المستقبلي وتراجع القوة الشرائية، بمعنى أن ارتفاع كثير من الشركات سببه تراجع القوة الشرائية للعملة، وهي الظاهرة المشاهدة في مجالات أخرى كثيرة وفي أسهم شركات الدول التي لديها تراجع في سعر صرف عملتها أمام العملات الأخرى. هذه الظاهرة شبيهة بما يحدث لأسعار الأصول الحقيقية كالذهب والعقار حين يكون هناك تراجع في سعر صرف العملة. فالذهب يرتفع حين ينخفض الدولار نتيجة كون الذهب مسعرا بالدولار وسرعان ما يستعيد قيمته إن كان الهبوط مجرد انخفاض في سعر صرف العملة.

إن صحت هذه النظرية، فارتفاع أسعار أسهم الشركات القوية مثل “أبل” وغيرها ليس إلا مجرد ردة فعل معاكسة لانهيار سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى وأمام الذهب خصوصا. وبالنظر إلى مؤشر الدولار نجد أنه آخذ في التراجع القوي منذ قمة 115 نقطة في أيلول (سبتمبر) 2022، وهي الفترة التي تتزامن مع قاع أسعار الأسهم، إلى أن وصل الآن إلى حدود 103 نقاط.

* نقلا عن صحيفة “الاقتصادية”

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً