التّدنّي الأخلاقي في الحرب الأوكرانيّة

0

هل هناك ما يمنع الدول المشاركة في الحرب الأوكرانية من استخدام السلاح النووي؟ بخاصة أن بعض دول حلف الناتو تمتلك هذا السلاح الفتاك، فضلًا عن امتلاك الولايات المتحدة الأميركية وروسيا السلاح ذاته، وإذا تم التهديد بالسلاح، فهل يعني ذلك أن استخدامه وارد بصورة كبيرة؟ وهل يعني ذلك أيضًا أننا على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟ وما هي خيارات العالم إزاء هذه الحرب المتوقعة؟

باتت الإجابة عن هذه الأسئلة أمرًا مخيفًا بعد إعلان الولايات المتحدة أخيرًا تزويد أوكرانيا بالقنابل العنقودية، بخاصة أن روسيا سترد على استخدام خصمها هذا السلاح بأسلحة أخرى أكثر فتكًا، قد يكون من بينها السلاح النووي، أو استخدام أسلحة لا يفصل بينها وبين النووي في التدمير غير اسم السلاح، وهو ما يجعل العالم على عتبة حرب عالمية ثالثة.

بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أكثر من عام، وتحديدًا في 24 شباط (فبراير) من عام 2022، ولا أمل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات أو حتى حل الصراع العسكري سياسيًا أو سلميًا، بل تذهب كل المؤشرات إلى تطور الصراع الذي بدأ يأخذ شكلًا عسكريًا معقدًا يستحيل معه الحل السياسي أو السلمي على الأقل حاليًا، كما يؤدي تعقد هذا الصراع إلى توقع حرب شاملة قد يكون السلاح النووي أحد مفرداتها.

قرار الولايات المتحدة تزويد أوكرانيا بالقنابل العنقودية هو تطور جديد على المستوى العسكري، ربما لا ترغب فيه بعض دول حلف الناتو التي سبق ووقعت على اتفاقية تمنعها من استخدام هذا السلاح، رغم أنها ترى حاجة أوكرانيا له، فضلًا عن تعقد الصراع بسببه، واتساع دائرة الاستهداف للمدنيين.

فخطورة القنابل العنقودية في أنها تحقق دمارًا شاملًا على طريقة الأرض المحروقة، كما أن القنابل الصغيرة التي لا تنفجر وهي كثيرة قد تُشكل تهديدًا على المدنيين في ما بعد، وبخاصة الأطفال، وهنا يبدو التدني الأخلاقي في استخدام هذا السلاح الفتاك، سواء على المستوى العسكري أم تأثيره على المدنيين أثناء المعركة وبعد انتهائها أيضًا، كما أن استخدام هذا السلاح سيزيد من حجم المعاناة البشرية والخسائر المتوقعة من حجم القتل بين المتصارعين.

الدول الأكثر إنتاجًا لهذا السلاح الفتاك هي نفسها الدول التي رفضت التوقيع على اتفاقية منع استخدامه، فضلًا عن أن روسيا التي تُعارض تزويد أوكرانيا بهذا السلاح وتُهدد في حال تحقق ذلك، هي نفسها التي استخدمت نوعين متطورين من السلاح نفسه ضد أوكرانيا في الحرب نفسها!

لا يبدو في الأفق أي حل سياسي إزاء الحرب الأوكرانية، وليس بين الدول الكبرى في المجتمع الدولي من يستطيع أن يجمع المتحاربين إلى طاولة واحدة أو أن يضغط عليهما، بخاصة أن الدول الكبرى هي جزء من المشكلة ولن تكون جزءًا من الحل، فكيف يمكن إنهاء الحرب التي تتطور على الصعيد العسكري باستخدام الأسلحة الفتاكة؟ فقد باتت نيات كل طرف هي القضاء على الطرف الآخر عسكريًا أو استغلال الحرب بهدف استنزافه، وهنا تبدو مشكلة الحرب التي لا تتوقف.

هناك بُعد مهم على صعيد استخدام القنابل العنقودية بعيدًا من التدني الأخلاقي المرتبط باستخدام السلاح أو بتعقد الصراع بسبب هذا الاستخدام؛ والذي يُرشحه إلى حرب عالمية، لأنه ببساطة سيدفع الروس للرد على هذا السلاح بسلاح آخر أكثر فتكًا، كما أنه سيدفع الولايات المتحدة لتقديم مزيد من الدعم لأوكراينا من الأسلحة المحرمة دوليًا بهدف استنزاف روسيا وحلفها.

الولايات المتحدة تُدرك أهمية القنابل العنقودية في حسم المعركة عسكريًا أو تقليل خسائر حليفتها، فقد سبق واستخدمت هذا السلاح ضد فيتنام، حيث ألقت قرابة 260 مليون قنبلة صغيرة أحرقت من خلالها أرض المعركة والخصم، والذي لم ينفجر من القنابل العنقودية كان بمثابة ألغام أرضية دفع ضريبتها المدنيون في ما بعد.

قليل من العقل يوقف هذه الحرب في شرق أوروبا، بل قليل من الأخلاق سيحمي ملايين من البشر الذين سيتحولون إلى ضحايا لهذه الحرب، وهذا السلاح على وجه التحديد، فإذا انفك عقال الاستخدام السيئ لهذه النوعية من الأسلحة فسينهار العالم بأيدي سكانه الذين أبدعوا في صناعة أسلحته الفتاكة.

لابد أن يعلو صوت العقل، ولا بد أن تتصدر الأخلاق حتى لا تتطور الحرب أو تتعقد أكثر مما هي عليه الآن، فبقاؤها على حالها دون تحقيق النصر لطرف على آخر، أفضل بكثير من تحقيق انتصار قد يحقق هزيمة للطرفين.

الحرب الأوكرانية أثرت على العالم، كل العالم بلا استثناء؛ فتأثير هذه الحرب امتد شرقًا وغربًا، ولم يقل عن تأثير فيروس كورونا الذي شل حركة العالم، وبالتالي كل دول العالم مدعوّة إلى تقليل حدة الاحتقان وتخفيف حدة الصراع تمهيدًا لإنهاء الحرب من دون أن يكون هناك منتصر ومنهزم، حتى لا يُصبح الجميع مهزومًا أمام وضع معقد لهذه الحرب.

أعتقد أن طرفي الصراع أدركا أن إنهاء هذه الحرب لمصلحة أحدهما من رابع المستحيلات بعد اندلاعها منذ سبعة عشر شهرًا؛ فروسيا التي بدأت الحرب لم تعد لديها القدرة على إنهائها، وهي التي أعلنت ترحيبها بأي حوار يؤدي إلى إنهاء الحرب، وهنا تبدو أزمة الحروب التي يمكن أن تخوضها أي دولة في أي وقت، ولكنها تبقى عاجزة عن إنهائها، تختار توقيت بدايتها ولكنها لا تملك وقت إنهائها.

الدول العربية مؤهله لتبني مبادرة دولية للحوار بين القوتين المتصارعتين، تطرحها جمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومعهما المملكة العربية السعودية، تزكّي من خلالها حلولًا عملية للأزمة، قبل أن يتم استخدام هذه الأسلحة الفتاكة فتخلف وراءها مآسي إنسانية لمئات الملايين من البشر بعدما وصلت بالفعل إلى أيدي الأوكرانيين.

*نقلاً عن “النهار

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً