التحرك الإفريقى تجاه الحرب الأوكرانية

0

أنهى وفد إفريقى، بمشاركة رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس السنغال ماكى سال، ورئيس زامبيا «هيشيلينا»، ورئيس جزر القمر غزالى أسومانى، رئيس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقى، ورئيس وزراء مصر مصطفى مدبولى، ووزير الخارجية سامح شكرى، وممثلين عن أوغندا والكونغو الديمقراطية مهمته فى تقديم اقتراحات لحل مشكلة الحرب الروسية الأوكرانية. وفى الحقيقة أن كل ما صاحب الزيارة متسق مع المشهد الكلى للصراع.

فقد وصل القادة الأفارقة إلى كييف بالقطار، قادمين من بولندا، وخلال الزيارة واصلت روسيا أعمال قصف العاصمة الأوكرانية، وبلغ عدد الصواريخ التى أعلنت كييف التصدى لها حوالى 12، من بينها صواريخ فرط صوتية، وصرح وزير خارجية أوكرانيا بأن هذا القصف دليل على تفضيل روسيا للحرب وليس للتفاوض، بينما أكد زيلينسكى، خلال المؤتمر الصحفى المشترك مع الزوار الأفارقة، أنه لا تفاوض دون انسحاب روسيا أولًا ووقف العدوان.

أما فى موسكو فقد التقى الوفد بالرئيس بوتين، كما صرحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية «زاخاروفا» بأن الأفكار التى جاء بها الوفد طيبة، وهى إشارة غامضة، ولكن على الأقل تُبدى تقديرًا للوفد.

ولم يكن هناك من توقعات مختلفة، ففى ظل الظروف الراهنة ومع ما يسمى الهجوم الأوكرانى الراهن أو هجوم الربيع، الذى يبدو أنه يسير بقدر من البطء والصعوبة- وفقًا للبيانات الأوكرانية ذاتها- لا يمكن تصور أن أى قادة عسكريين أو ساسة فى لحظة تصعيد عسكرى سيقبلون ببدء تفاوض وعملية سياسية فى هذه المرحلة.

وقد بدأت مقدمات التصعيد العسكرى الراهن بعمليات استهداف لمسيرات أوكرانية للكرملين ذاته، منذ عدة أسابيع، ثم تفجيرات شبه جزيرة القرم، وكانت كلها مؤشرات ورسائل ضمنية بأن كييف ستستهدف عملية عسكرية واسعة تريد بها استعادة كل أراضيها وليس مجرد استرجاع بعض مناطق فى شرق البلاد احتلتها روسيا منذ بداية الحرب، بل أيضًا شبه جزيرة القرم، التى سيطرت عليها روسيا منذ عام 2014.

واللافت أن هذه التحركات والمناوشات العديدة سابقة الذكر، والتى بدأت منذ أكثر من شهر، كانت محل نفى وبيانات متناقضة عديدة من الجانبين، فأغلب العمليات العسكرية التى وقعت خلال الأسابيع الماضية كانت محل نفى من الجانبين، وكأن هناك رغبة خاصة من أوكرانيا لإضفاء جو من الغموض تجاه حرب الربيع التى أعلنت نيتها القيام بها منذ شهور الشتاء الطويل فى هذه البلاد، ومن ثَمَّ فليست هناك مفاجأة عسكرية بشأن هذا التصعيد الأوسع نطاقًا الآن، والذى جاءت قمته بتفجير سد خاركوفا، الذى لا يزال كل من الطرفين ينفى القيام به، فى وسط افتراضات من المعلقين بأن كلًّا منهما يراهن على تعويق الآخر بهذه الخطوة، وإن كانت التحليلات تميل أكثر إلى أنها أبطأت التقدم الأوكرانى.

ومن ثَمَّ ما قصدنا قوله إن المشهد العسكرى بعيد كل البُعد عن أن يسمح ببدء عملية تفاوض، وهو ما يطلق عليه فى أدبيات الصراع الدولى أنه ليس جاهزًا بعد لتسوية أو تفاوض، مع شعور الطرفين بأن كليهما قادر على حسم المعركة العسكرية.

وهو ما يفرض تساؤلًا عن توقيت الزيارة الإفريقية فى هذه المرحلة، ووفقًا لمصادر إعلامية غربية، فإن دول القارة، وخاصة جنوب إفريقيا، تريد أن تثبت حيادها، وتحاول نفى الاتهامات الغربية بانحيازها إلى موسكو، ومن ثَمَّ جاءت فكرة الوساطة والتحرك الإفريقى، حتى ولو كان لمجرد تسجيل مواقف.

والسبب الآخر أن إفريقيا بالفعل تعانى اقتصاديًّا بشكل حقيقى تداعيات الحرب الاقتصادية، وخاصة ارتفاع أسعار الحبوب والسماد، وقلة المتاح من السلع، والحالة التضخمية العامة، التى تشهدها أغلب دول العالم، والتى تعانى منها الدول الفقيرة، وأغلبها فى القارة الإفريقية، ومن ثَمَّ أيضًا فإنه موقف يستحق التسجيل.

ومشكلة الدول الغربية وواشنطن بشكل خاص أنها تطبق دومًا نهج مَن ليس معى فهو ضدى، كما أنها لا تكترث تاريخيًّا بمعاناة العالم، ولولا تأثير جماعات معينة داخلها وحسابات سياسية معينة منذ الحرب الباردة لما قدمت المساعدات حتى لمستعمراتها السابقة، التى هى مشاركة فى صنع ارتباكاتها الاقتصادية، وهى ليست وحيدة فى هذه المسؤولية، فهناك مسؤولية تقع على هذه الشعوب وقادتها.

وفى الحقيقة أن هدفى التحرك الإفريقى شكّلا فى اندماجهما مضمون الموقف، الذى أجاد رئيس الوزراء الهندى مودى التعبير عنه، وهو أن الحرب ليست الوسيلة المثلى فى هذا العصر للوصول إلى نفس الأهداف التى تريدها روسيا وكثير من دول العالم، ومن بينها الهند، وهى إعادة تشكيل العالم على أسس أكثر عدلًا وإنصافًا- والتى تتضمن إنهاء حالة الهيمنة الأمريكية على النظام الدولى، فأغلب دول الجنوب صوتت فى الجمعية العامة للأمم المتحدة على رفض الغزو الروسى، وفى نفس الوقت فإن أغلب دول الجنوب تحفظت ضد طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان، كما لم تلتزم دول مهمة منها بتطبيق العقوبات الغربية ضد روسيا، وهذه الدول تتخذ موقفًا لا تعتبره واشنطن مريحًا لها بشكل كافٍ، مع أنها فى الحقيقة تحفظت ضد هذه الحرب، وأخيرًا فإن الزيارة تؤكد أن إفريقيا ودول الجنوب تريد إنهاء هذه الحرب بطريقة تحفظ ماء وجه الطرفين بشكل أو آخر، ولكن الطرفين لا يزالان يبحثان عن نصر كامل.

* نقلا عن “المصري اليوم”

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً