الإسلام السياسي والفشل المزمن

0

من طبائع جماعات الإسلام السياسي السيئة أنهم يميلون في طرائق تفكيرهم غالبا إلى السلوك العامي في الفصل في الأمور المشكلة والشائكة، لهذا نلمس ضعف التحليل السياسي والاجتماعي، والسبب في ذلك يعود إلى مسلمة معروفة وهي أنهم يمارسون المعرفة بغير أدواتها عن عمد! فما يعدون به اليوم وينظرون في فوائده من الممكن أن يتراجعوا عنه في مرحلة التمكين أو شبه التمكين. بذرائع شتى فما ينادون به من حقوق المرأة والعلاقات المثالية مع الآخر “الأديان الأخرى والمذاهب الأخرى” من السهولة بمكان أن يتراجعوا عنها، فمثلا هم يتبنون تمكين المرأة في مراحل الدعوة ويضللون من يمكن المرأة من حقوقها حال وصولهم لمرحلة التمكين حتى لو استدللت عليهم بكلام ابن حزم الذي ورد عنه في كتابه المحلى يقول ابن حزم: ((
[مَسْأَلَة تولي الْمَرْأَة الْحُكْمِ]
1804 – مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ تَلِيَ الْمَرْأَةُ الْحُكْمَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ وَلَّى الشِّفَاءَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ السُّوقَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ».
قُلْنَا: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ الْخِلَافَةُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى مَالِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» .
وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيُّونَ أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً وَوَكِيلَةً وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ مِنْ مَنْعِهَا أَنْ تَلِيَ بَعْضَ الْأُمُورِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ))
ويقول ابن حزم في رسائله
(( *امرأة وليت الولايات:
الشفاء العدوية: ولاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه السوق وكانت أهلاً لذلك.
* [امرأة قعدت للمظالم] :
ثمل القهرمانة: قعدت للحكم بين الناس بالمظالم وحضر مجلسها القضاة والفقهاء)).

فهذا الكلام قد يتبناه جماعات الإسلام السياسي في مرحلة الدعوة والسعي للتمكين. أما حينما يصلون إلى مرحلة التمكين أو شبه التمكين فجميع ما وعدوا به يصبح من المنكرات والمخالفات الشرعية. ولدينا أمثلة عديدة حول تحول مسار الغايات التي كان يدعو لها جماعات الإسلام السياسي بعد مرحلة التمكين. ولنأخذ مثلا السودان فسوف نلحظ أن ما كان يرفع من شعارات قبل تمكين جماعة الإخوان المسلمين لم يحقق منها شيء على أرض الواقع بعد تمكنهم من مفاصل الدولة، كما أن أفكار د . حسن الترابي وانتهازيته هي التي سيرت دولة كانت مرشحة لأن تكون “سلة خبز العالم” وبدلا من أن تدار بعقلية رجال الدولة سيرت السودان لأكثر من ثلاثة عقود بعقلية الجماعة أو الحزب، قد يعتبر الدكتور حسن الترابي مفكرا استراتيجيا عند كثير من جماعات الإسلام السياسي، والحقيقة أنه يمثل البراغماتية النفعية في أبشع صورها.

والضرر لم يقف عند حدود إمكانيات الدولة وقدراتها بل تعدى ذلك إلى مغامرات خططها الترابي أدت إلى حروب تسببت بانفصال جنوب السودان واستضافة جماعة قاعدة الجهاد العالمي وقائديها أسامة بن لادن وأيمن الظواهري قائد جماعة الجهاد المصرية المندمجة مع جماعة القاعدة، وإنشاء معسكرات لهم والقيام بعمليات إرهابية منطلقة من السودان في دول إفريقية منها مصر.

المشكلة أن جماعات الإسلام السياسي وحتى هذه الساعة يظنون أن إدارة الدول هو شبيه بإدارة المراكز الصيفية والحارة، وخير مثال على ذلك ما حدث في مصر أثناء حكم محمد مرسي وما يحدث في أفغانستان الآن مع حكومة طالبان المتعثرة قبل التمكين وبعد التمكين، لهذا من مصلحة الإسلام السياسي ألا يسعى لإقامة الدولة الإسلامية المتصورة وأن يراوح في مكانه كمستثمر لتمويل الحراك المعارض الرث. وهو ما نلاحظه هذه الأيام فهم يبحثون عن ممول في كل خطوة يخطونها حتى أصبح لكل خطوة تخطوها جماعات الإسلام السياسي ثمن وسعر محدد وهذا واقع وعليه أدلة ملموسة.

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً