أسعار الأسهم والأرباح والنمو الاقتصادي

0

هناك علاقة طبيعية بين أسعار الأسهم وأرباح الشركات، كون سعر السهم في نهاية الأمر يعتمد على القيمة الحالية لأصول الشركة والأرباح المتوقع تحقيقها مستقبلا، ويتغير سعر السهم عندما تتغير أي من هذه المعطيات والعوامل المؤثرة فيها. وبالنظر إلى قيم الأسهم الأميركية في الأعوام الماضية ينشأ دائما تساؤل مستحق عما إذا كانت أسعار الأسهم بالفعل توضح القيم الحقيقية للشركات، وكذلك عما إذا كانت هناك علاقة بين النمو الاقتصادي وأسعار الأسهم.

في مقال الأسبوع ما قبل الماضي تحدثت عن مسببات ارتفاع الأسهم الأميركية، وذكرت أحد التفسيرات التي تقول إن أسعار الأسهم مرتبطة بقوة الدولار الحالية والمستقبلية، بمعنى أن الأسهم كغيرها من الأصول القوية ترتفع أسعارها كردة فعل لانخفاض الدولار، لأن القيمة الحقيقية للأصول القوية لا تتغير بسبب اختلال سعر صرف العملة. أما السبب المباشر فيعود إلى ارتفاع أرباح الشركات، فهل الأرباح الماضية والأرباح المستقبلية المتوقعة تفسر حركة أسعار الأسهم الأميركية؟

يقف مكرر الربحية لشركات مؤشر “إس آند بي 500″، التي تعد بمنزلة سوق الأسهم الأميركية، عند مكرر 26 هذه الأيام، أي إن أسعار الأسهم الأميركية تعادل نحو 26 ضعف متوسط ربحية الشركات الأميركية في هذا المؤشر. وهذا المستوى لمكرر الربحية يعد عاليا إلى حد كبير إذا ما قارناه بالمعدل الطبيعي بين 18 و22 مرة، علما أن آخر مرة ارتفع فيها المكرر بشكل كبير كانت نهاية 2020 إلى أول 2021 حين وصل المكرر إلى نحو 40. ومكرر الربحية مهم في تقييم الأسهم لكنه غير مفيد في تحديد حركة الأسهم على المديين القصير والمتوسط، حيث إن هناك حالات تاريخية عديدة استمر فيها المكرر عند مستويات عالية نسبيا لعدة أعوام. من ناحية أخرى هناك تغيرات في المستوى المقبول للمكرر، فبحسب نمو الأرباح المتوقع للأعوام القليلة المقبلة بالإمكان القبول بمستويات أعلى أو أقل من المتوسط، وهذا أحد أسباب استخدام ما يعرف بمكرر الربحية المقسوم على نسبة النمو المتوقع، أو PEG ratio.

ما العلاقة بين أرباح الشركات وأسعار الأسهم؟ وما العلاقة بين معدلات الفائدة وأرباح الشركات؟ وهل نمو أسعار الأسهم مرتبط بالنمو الاقتصادي من خلال الناتج المحلي الإجمالي؟

في دراسة حديثة صادرة عن أحد الباحثين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، يشير الباحث إلى أن أسباب ارتفاع الأسهم في العقود الثلاثة الماضية تعود بشكل كبير إلى عاملين رئيسين، الانخفاض التاريخي لمعدلات الفائدة والانخفاض الكبير في نسبة الضريبة على الشركات. هذان العاملان وحدهما مسؤولان عن 40 في المائة من نمو أرباح الشركات في العقود الثلاثة الماضية، كما أن معدل الفائدة المنخفض وحده هو المتسبب في ارتفاع مكررات الربحية بما يتجاوز المستويات التاريخية. الدراسة خلصت إلى نتيجة مهمة وهي أن من الصعب جدا استمرار تلك الدفعة القوية التي انعكست بالإيجاب على الأرباح والأسعار في الأعوام الماضية بسبب معدلات الفائدة المنخفضة والضرائب المتدنية التي من غير المتوقع بقاؤها عند هذه المستويات المشجعة في الأعوام المقبلة.

ملاحظات الباحث مايكل سموليانسكي في هذه الدراسة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي جديرة بالاهتمام، فهو لاحظ أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الأميركي للأعوام 1989 – 2019 كان بمتوسط 2.5 في المائة سنويا، بينما نما مؤشر الأسهم الأميركية دون حساب الأرباح الموزعة بنسبة 5.5 في المائة للفترة نفسها، وربما بنسبة 8 في المائة مع حساب الأرباح الموزعة خلال الفترة المذكورة. هل هو أمر طبيعي أن تنمو أسعار الأسهم بفارق كبير جدا عن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي؟

من المعروف أن الأسهم تنمو بشكل أكبر من النمو الاقتصادي، لكن العبرة هنا في الفارق الكبير بين الاثنين، أي: بين 2.5 في المائة للاقتصاد سنويا مقابل 8 في المائة للأسهم، لذا علينا بدلا من تلك العلاقة الصعبة أن ننظر إلى العلاقة الواضحة والمتوقعة وهي العلاقة المباشرة بين الناتج الإجمالي وأرباح الشركات، حيث من المفترض أن تكون هناك علاقة طردية بين الأداء الاقتصادي وأداء الشركات.

في الأعوام من 1989 – 2019 نمت أرباح الشركات، بعد التخلص من تأثير التضخم، بنسبة 3.8 في المائة سنويا، مقابل 2.5 في المائة كنمو اقتصادي حقيقي، لكن نسبة نمو الأرباح هذه بمقدار 3.8 في المائة تعد غير طبيعية مقارنة بالأعوام ما قبل ذلك للفترة 1962 – 1989، كونها تقريبا ضعف نسبة نمو الشركات في تلك الفترة. لماذا إذن ارتفعت ربحية الشركات بشكل كبير من 1989 إلى 2019؟

السبب في ارتفاع ربحية الشركات منذ 1989، كما يرى الباحث، يعود إلى انخفاض معدلات الفائدة وضريبة الشركات وليس بسبب وجود ارتفاع غير طبيعي في ربحية الشركات، ولإثبات ذلك نظر الباحث إلى نسبة نمو الأرباح قبل الفائدة والضرائب، ما يعرف بـEBIT، فوجد أنها كانت أسوأ في فترة 1989 – 2019 عنها في 1962 – 1989، حيث كانت في السابق 2.4 في المائة وأصبحت 2.2 في المائة في العقود الثلاثة الماضية. بمعنى آخر، وجد الباحث أن ربحية الشركات في الماضي كانت أفضل مما تحقق في أعوام معدلات الفائدة المنخفضة بدءا من 1989، أي: إن الشركات استفادت كثيرا من معدلات استثنائية متدنية للفائدة والضرائب، وإن ذلك يفسر أسباب ارتفاع أسعار الأسهم في الأعوام الماضية.

في حقبة ما قبل 1989، كانت تكاليف الفائدة والضرائب تعادل 56 في المائة من أرباح الشركات، ثم انخفضت في حقبة ما بعد 1989 إلى 27 في المائة، أي إن نسبة كبيرة من الأرباح كانت تذهب لمصلحة الدائنين والضرائب، ثم انخفضت هذه النسبة ما أدى إلى ارتفاع الأرباح وبالتالي ارتفاع أسعار الأسهم. الدراسة تقول إن ارتفاع الأسهم في المستقبل مرهون باستمرار معدلات الفائدة المتدنية، وهذا أمر مشكوك فيه عطفا على ما رأيناه من تصاعد سريع في معدلات الفائدة منذ آذار (مارس) 2022. كذلك لا بد من بقاء نسبة ضرائب الشركات منخفضة، حيث إنها بالمتوسط كانت 34 في المائة في حقبة ما قبل 1989، ثم انخفضت بشكل حاد إلى 15 في المائة بعد ذلك، ومن غير المتوقع بقاؤها عند هذه المستويات بسبب الأوضاع الاقتصادية والتحديات التي تواجه الإيرادات الحكومية مستقبلا.

بحسب الدراسة ستكون أرباح الشركات حسب المعدل الطبيعي للأرباح قبل الفائدة والضرائب، التي كما رأينا جاءت بنسبة 2.2 في المائة، وذلك أقل من النمو الاقتصادي بمقدار 2.5 في المائة، ما يعني أن مستقبل حركة الأسهم سيخضع للحركة الاقتصادية الطبيعية وأن أسعار الأسهم الحالية المبنية على التوقعات المستقبلية قد لا تكون مبررة تماما.

* نقلا عن صحيفة “الاقتصادية”

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

شاركها.
اترك تعليقاً